عبد العال سالم مكرم

157

من الدراسات القرآنية

ويولّاها رجل ، واللّه لقد أسلمت وإنه لفى صلب رجل كافر ، يريد زيد بن ثابت . قال ابن شهاب : فبلغني أنه كره ذلك من مقالة ابن مسعود رجال من أفاضل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « 1 » . ووقفت أمام هذا الخبر طويلا : كيف يصدر هذا عن ابن مسعود ؟ قلت : لعل عثمان رضى اللّه عنه انفرد بهذا العمل وحده دون أن يستشير أولى الرأي من كبار الصحابة ، وربما كانت الفتن التي أعلنت عن نفسها تجاه القرآن والقراءات تتطلب عملا حاسما سريعا يضع الأمر في نصابه ومن ثم لم يكن هناك ما يدعو لأخذ الآراء أو مناقشتها في أمر خطير يتطلب عملا عاجلا سريعا . وفي غمار هذه الأحداث تولى زيد كتابة المصحف دون ابن مسعود مما أثار انفعاله . أقول : كنت أميل إلى هذا الاتجاه ، وأميل إلى أن ثورة ابن مسعود انفعالات صدرت لأنه كان يود أن يسهم في هذا العمل الخطير الذي تتوحد به الأمة لولا أنى وقفت على نص آخر يثبت أن عمل عثمان جاء ثمرة لإجماع الصحابة ، وأنه لم يتفرد برأيه في هذا العمل الخطير . وبيان ذلك ما رواه مصعب بن سعد قال : « لما كثر اختلاف الناس في القرآن قالوا : قراءة ابن مسعود ، وقراءة سالم مولى حذيفة ، قال فجمع أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلم عثمان بن عفان فقال : إني رأيت أن أكتب مصاحف على حرف زيد بن ثابت ثم أبعث بها إلى الأمصار قالوا : نعم ما رأيت » « 2 » . إذن فعثمان رضى اللّه عنه جمع أصحاب محمد عليه السلام واستشارهم في هذا الأمر فقالوا : نعم ما رأيت . ومن هنا لا يصح في رأيي أن يقف ابن مسعود بعد هذا الاجماع موقف المعارض . أكبر الظن أنها رواية مدسوسة نسبت إليه وهو منها برئ وقد اسعفنى في الاستدلال على براءة ابن مسعود من هذه التهمة ما رأيته بعد طول بحث في كتاب المصاحف حيث وضع مؤلفه عنوانا جاء فيه : رضا عبد اللّه بن مسعود لجمع عثمان رضى اللّه عنه في المصاحف وقد جاء تحت هذا العنوان ما نصه .

--> ( 1 ) مقدمتان في علوم القرآن / 20 . ( 2 ) المرجع السابق ص 44 - 45 .